
تُعد الهبّات الساخنة (Hot flashes / Hot flushes) من أكثر الأعراض شيوعًا وإزعاجًا خلال مرحلة الانتقال إلى سن الأمل وبعد انقطاع الدورة الشهرية.
تشعر المرأة خلالها بارتفاع مفاجئ في حرارة الجسم، غالبًا يبدأ في منطقة الوجه والرقبة والصدر، وقد يصاحبه احمرار الجلد، التعرق، الشعور بالخفقان أو عدم الارتياح.
وتؤثر الهبّات الساخنة لدى بعض النساء في جودة الحياة، إذ قد تؤدي إلى اضطراب النوم، التعب، صعوبة التركيز، والتأثير في الحالة المزاجية.
لكن الهبّات الساخنة ليست مجرد عرض مزعج؛ فقد أشارت الدراسات إلى أن الهبّات الشديدة والمتكررة، خصوصًا إذا بدأت في عمر مبكر، قد تكون مرتبطة بزيادة بعض عوامل الخطورة المتعلقة بصحة القلب والأوعية الدموية، كما ارتبطت ببعض المؤشرات المتعلقة بصحة الدماغ.
لماذا تحدث الهبّات الساخنة؟
لفهم سبب حدوث الهبّات الساخنة، علينا معرفة دور منطقة صغيرة في الدماغ تُسمى تحت المهاد (Hypothalamus) ، تعمل تحت المهاد كمنظّم لدرجة حرارة الجسم، حيث تحافظ عليها ضمن نطاق محدد من خلال التحكم في آليات التبريد والتدفئة.
عند انخفاض مستويات هرمون الإستروجين خلال مرحلة الانتقال إلى سن الأمل “البريمينوبوز”، يصبح مركز تنظيم الحرارة في تحت المهاد أكثر حساسية للتغيرات البسيطة في درجة حرارة الجسم، فيبدأ بمحاولات التبريد بسرعة حتى مع ارتفاع بسيط جدًا في درجة الحرارة، بمعنى آخر، حتى عند عدم وجود حاجة حقيقية لذلك.
تشمل هذه الاستجابات:
- توسّع الأوعية الدموية في الجلد.
- زيادة تدفق الدم إلى سطح الجلد.
- إفراز العرق للمساعدة في تبريد الجسم.
وهذا ما يسبب الشعور المفاجئ بالحرارة والتعرق.
أما عندما تحدث هذه النوبات أثناء النوم، فتُعرف باسم التعرق الليلي (Night sweats)، وقد تؤدي إلى الاستيقاظ المتكرر واضطراب النوم.
هل هناك عوامل تجعل الهبّات الساخنة أكثر شدة؟
لا تعتمد شدة الهبّات الساخنة على انخفاض مستويات الإستروجين فقط، بل قد تتأثر أيضًا بعوامل أخرى مرتبطة بالصحة العامة ونمط الحياة.
تشير بعض الدراسات إلى أن النساء اللواتي يعانين من زيادة الدهون الحشوية أو مقاومة الإنسولين، قد يكنّ أكثر عرضة للإصابة بهبّات ساخنة أكثر شدة وتكرارًا.
وقد يعود ذلك إلى أن الدهون الحشوية ليست مجرد مخزن للطاقة، بل هي نسيج نشط يفرز مواد التهابية قد تؤثر في تنظيم حرارة الجسم، وصحة الأوعية الدموية، واستجابة الجسم للتغيرات الهرمونية.
كما أن تحسين الصحة الأيضية، قد يساعد في تحسين شدة الأعراض لدى بعض النساء، وذلك
من خلال:
- تقليل الدهون الحشوية.
- ممارسة تمارين المقاومة.
- زيادة النشاط البدني.
- تحسين جودة الغذاء.
- الحفاظ على وزن صحي.
من المهم التأكيد أن الهبّات الساخنة ليست مرتبطة بالوزن فقط؛ فقد تعاني منها نساء نحيفات أيضًا، وتختلف شدتها حسب عوامل متعددة تشمل الوراثة، والعمر، ومستويات الهرمونات، والصحة العامة.
كم تستمر الهبّات الساخنة؟
تختلف مدة وشدة الهبّات الساخنة بين النساء بشكل كبير. فقد أظهرت الدراسات أن معظم النساء تتحسن لديهن الهبّات تدريجيًا مع مرور الوقت، إلا أنها قد تستمر لسنوات لدى بعض النساء.
كما تختلف مدة استمرارها حسب العوامل الوراثية والعرقية؛ فقد وجدت الدراسات أن متوسط مدة الهبّات الساخنة يبلغ حوالي 5 سنوات لدى النساء اليابانيات والصينيات، بينما قد يصل إلى حوالي 10 سنوات لدى النساء من العِرق الأسود.
- قد لا تعاني حوالي 15-20% من النساء من الهبّات الساخنة.
- بينما قد تستمر الهبّات لأكثر من 10 سنوات لدى نسبة من النساء.
علاج الهبّات الساخنة
يعتمد اختيار العلاج المناسب على عمر المرأة، حالتها الصحية، شدة الأعراض، وجود أي موانع لاستخدام بعض العلاجات، بالإضافة إلى تفضيلات المرأة الشخصية.
أولًا: العلاج الهرموني التعويضي (Hormone Therapy – HT)
يُعد العلاج الهرموني التعويضي العلاج الأكثر فعالية لعلاج الهبّات الساخنة والتعرق الليلي المرتبطين بانخفاض مستويات الإستروجين.
ويعتمد العلاج على تعويض الهرمونات التي تنخفض خلال هذه المرحلة، ويتكون عادة من:
- الإستروجين: وهو الهرمون الأساسي المسؤول عن تخفيف الهبّات الساخنة.
- البروجستيرون أو أحد مشتقاته: ويُضاف لدى النساء اللواتي لديهن رحم لحماية بطانة الرحم من تأثير الإستروجين غير المعاكس.
إضافة إلى فعاليته في علاج الهبّات الساخنة، يمكن للعلاج الهرموني أن يساعد في:
- الوقاية من فقدان الكتلة العظمية وهشاشة العظام.
- تحسين أعراض الجهاز البولي والتناسلي الناتجة عن نقص الإستروجين.
وعند استخدامه لدى النساء المناسبات له، وبالجرعات والطريقة الصحيحة، يُعد خيارًا فعالًا وآمنًا.
لكن هناك بعض الحالات التي لا يُنصح فيها باستخدام العلاج الهرموني، مثل بعض أنواع السرطانات الحساسة للهرمونات أو بعض الحالات الطبية الأخرى، وفي هذه الحالات يمكن اللجوء إلى خيارات علاجية غير هرمونية.
ثانيًا: العلاجات غير الهرمونية
- مضادات الاكتئاب
أظهرت الدراسات أن بعض الأدوية المستخدمة أساسًا لعلاج الاكتئاب يمكن أن تساعد في تقليل شدة وتكرار الهبّات الساخنة، حتى لدى النساء اللواتي لا يعانين من الاكتئاب.
ومن هذه الأدوية:
- Venlafaxine فينلافاكسين
- Desvenlafaxine ديسفينلافاكسين
- Escitalopram إسيتالوبرام
- Citalopram سيتالوبرام
- Paroxetine باروكسيتين
يبدأ تأثير هذه الأدوية غالبًا خلال أسابيع قليلة.
ومن المهم معرفة أنها:
- لا تعوض نقص الإستروجين.
- لا تعالج جميع أعراض سن الأمل.
- لا تمنح الفوائد الإضافية للعلاج الهرموني مثل حماية العظام أو علاج أعراض نقص الإستروجين الأخرى.
لذلك فهي تُستخدم غالبًا لدى النساء اللواتي لا يستطعن استخدام العلاج الهرموني أو يفضلن تجنبه.
- فيزولينتين (Fezolinetant)
يُعد Fezolinetant من أحدث الخيارات غير الهرمونية لعلاج الهبّات الساخنة.وهو يعمل من خلال التأثير في مسار عصبي مرتبط بتنظيم حرارة الجسم، وليس من خلال تعويض الإستروجين.
وقد تمت الموافقة عليه من قِبل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لعلاج الهبّات الساخنة المتوسطة إلى الشديدة المرتبطة بسن الأمل.وهو متوفر تحت المسمى التجاريVeozah®.
- غابابنتين (Gabapentin)
هو دواء من فئة مضادات الاختلاج، يُستخدم لعلاج بعض أنواع الألم العصبي والصرع، لكنه أظهر قدرة على تقليل الهبّات الساخنة لدى بعض النساء، خاصة عند عدم إمكانية استخدام العلاج الهرموني.
- أوكسيبوتينين (Oxybutynin)
يُستخدم هذا الدواء عادة لعلاج فرط نشاط المثانة، وقد أظهرت بعض الدراسات أنه قد يساعد في تقليل الهبّات الساخنة لدى بعض النساء.
ثالثًا: العلاجات السلوكية والإجراءات غير الدوائية
العلاج السلوكي المعرفي (CBT)
يُعد العلاج السلوكي المعرفي من الخيارات التي تمتلك دليلًا علميًا جيدًا، حيث يساعد على تقليل تأثير الهبّات الساخنة وتحسين القدرة على التعامل معها، خاصة لدى النساء اللواتي لا يرغبن أو لا يستطعن استخدام العلاج الهرموني. وقد يكون مفيدًا بشكل خاص لدى بعض الناجيات من سرطان الثدي.
تقنيات الاسترخاء والتنفس (Breathing and Meditation)
قد تساعد تمارين التنفس والاسترخاء في تخفيف التوتر وتحسين الشعور العام، لكنها لا تقلل عدد الهبّات الساخنة بشكل واضح حسب الدراسات.
الوخز بالإبر (Acupuncture)
قد تشعر بعض النساء بتحسن عند استخدام الوخز بالإبر، إلا أن الدراسات تشير إلى أن الفائدة مقارنة بالإبر الوهمية محدودة، لذلك لا يُعتبر علاجًا أساسيًا للهبّات الساخنة.
رابعًا: المكملات الغذائية والعلاجات الطبيعية
تلجأ العديد من النساء إلى المكملات الطبيعية لتخفيف أعراض سن الأمل، ولكن من المهم معرفة أن ليس كل ما هو طبيعي يعني أنه فعّال أو آمن.
- فول الصويا (Soy Isoflavones)
يُعد فول الصويا من أكثر المكملات التي تمت دراستها بسبب احتوائه على مركبات نباتية تُسمى الإيزوفلافونات (Isoflavones)، والتي تمتلك تأثيرًا مشابهًا للإستروجين بشكل ضعيف.
قد يساعد بعض النساء في تخفيف الهبّات الساخنة، لكن تأثيره يختلف من امرأة إلى أخرى.
ويرتبط ذلك جزئيًا باختلاف قدرة بكتيريا الأمعاء بين النساء على تحويل بعض مركبات الصويا إلى مركب يسمى Equol، والذي قد يؤثر في الاستجابة للعلاج.
- الكوهوش الأسود (Black Cohosh)
يُستخدم لدى بعض النساء لتخفيف أعراض سن الأمل، إلا أن نتائج الدراسات حول فعاليته ما زالت متباينة، كما توجد تحذيرات محتملة تتعلق بصحة الكبد، لذلك يجب استخدامه بحذر.
ماذا عن باقي المكملات؟
لا توجد أدلة قوية كافية تدعم فعالية معظم المكملات الأخرى مثل بعض الفيتامينات أو المنتجات العشبية المختلفة في علاج الهبّات الساخنة.
كما أن بعض هذه المنتجات قد لا يخضع لنفس مستوى الرقابة الموجود على الأدوية، لذلك يجب استشارة الطبيب قبل استخدامها.
نصائح تساعد على تخفيف الهبّات الساخنة
إلى جانب العلاج المناسب، يمكن لبعض التغييرات في نمط الحياة أن تساعد في تقليل شدة الهبّات:
- ارتداء ملابس خفيفة وواسعة، ويفضل ارتداء طبقات يمكن خلعها بسهولة.
- الحفاظ على برودة غرفة النوم واستخدام المروحة عند الحاجة.
- شرب كمية كافية من الماء، وقد تساعد المياه الباردة أثناء حدوث الهبّة.
- تجنب المحفزات التي تزيد الأعراض لدى بعض النساء مثل الأطعمة الحارة والكافيين.
- اتباع نظام غذائي غني بالخضار والألياف.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام، وخاصة تمارين المقاومة.
- تقليل التوتر باستخدام تقنيات الاسترخاء والتنفس.
الخلاصة
الهبّات الساخنة عرض شائع في سن الأمل، لكنها ليست عرضًا يجب على المرأة تحمله دون علاج.
يُعد العلاج الهرموني التعويضي الخيار الأكثر فعالية للنساء المناسبات لاستخدامه، بينما توجد العديد من البدائل غير الهرمونية للنساء اللواتي لا يستطعن استخدام الهرمونات أو يفضلن تجنبها.
والأفضل دائمًا هو اتخاذ القرار العلاجي بناءً على تقييم فردي شامل، بعيدًا عن التسويق أو الخوف، وبالاعتماد على الأدلة العلمية الحديثة.
المراجع
- NAMS 2022 Hormone Therapy Position Statement.
- NAMS 2023 Nonhormone Therapy Position Statement.
- International Menopause Society Recommendations.
- Avis et al. JAMA Internal Medicine 2015
- Freedman RR. Menopausal hot flashes: mechanisms.
- FDA approval of Fezolinetant 2023.
